في اليوم الحادي عشر من شباط / فبراير تحتفل الكنيسة بعيد سيدة لورد ( لورد إسم لقرية تقع في جنوب فرنسا ) التي أصبحت اليوم مزاراً يحج إليه سنوياً ملايين المؤمنين والمرضى والمقعدين ليغتسلوا في مياهه العجائبية .
وليحتفلوا باليوم العالمي للمريض طالبين من الرب يسوع شفاءهم من الأمراض الروحية والجسدية . وقد ارتبط هذان الإحتفالان وثيقًا منذ سنوات إلى حدِّ أنَّهما أصبحا يشكِّلان عيداً واحداً .
عيد سيدة لورد هو عيد جميع الشعوب من كل لغة وعرق وأمّة. إنَّ اسم عذراء لورد ارتبط خاصَّة بشفاء المرضى. السيدة العذراء ظهرت لبرناديت الطفلة المريضة قبل الظهورات المتتالية ، وأصبحت برناديت أكثر مرضاً بعدها . لذلك أصبح عيد سيدة لورد عيد المرضى . مزار سيدة لورد ورسالته للعالم :
وعن مزار وظهورات العذراء مريم سيدة لورد ، في هذا المكان و هدف رسالته إلى العالم ، كتبت الأخت الراهبة ليونيا أماتو، رئيسة جماعة لورد لراهبات بنات عذراء لورد الكليَّة القداسة التي أسَّسها الكاهن فرانشيسكو غاتولا، إنطلاقًا من روحانيَّة سيدة لورد قائلةً : ” يهدف هذا المزار – المعبد إلى الإعتناء بالفتيات الصغيرات الفقيرات والأميَّات بالإضافة إلى تلقينهن العقيدة المسيحيَّة وعيشها “.
وللعذراء مريم في ظهوراتها لبرنادت رسالة للمؤمنين عبرت عنها بما يلي :
١ – التوبة والرجوع الى الله .
٢ – الصلاة والإماتة والتقشف من أجل عودة الخطاة .
وكانت العذراء قد طلبت من برناديت أن تأكل بعض الاعشاب وأن تشرب من العين التي حفرتها فتفجرت منها المياه العجائبية . والحج الى مزارها في لورد يعد تعظيماً لأسم العذراء مريم ، كما قالت العذراء نفسها : ” تعظم الرب نفسي ، وتبتهج روحي بالله مخلصي ، لأنه نظر إلى أمَتِهِ الوضيعة . سوف تُهنئني بعد اليوم جميع الأجيال ” ( متى ١ : ٤٦ – ٤٨ ) .
ماذا تعني رسالة ظهور عذراء لورد للكنيسة والبشرية ؟
لقد ظهرت السيدة العذراء في ١١ فبراير / شباط سنة ١٨٥٨ ، في مدينة لورد بفرنسا ، في مزود ، كان زريبةً للخنازير ، إلى القديسة برناديت سوبيرو التي كانت برفقة أختها وصديقتهما ، وقد ذهبن لجلب الحطب من الغابة.
ففيما همّت برناديت باللّحاق بأختها وصديقتهما وقبل أن تعبُرَ القناة ، سمعتْ صوتَ ريحٍ قويّ، دون أن تهتزّ الأشجار . فرفعت رأسها ، وإذ بها ترى فتاةً جميلة جداً يحيط بها نورٌ مشرق وجميل ، وكانت تنظر إليها مبتسمةً.
لماذا جاءت العذراء مريم لتظهر في مغارة حقيرة وسِخة، ومرتعاً لأوسخ وانجس الحيوانات ” الخنازير ” ، كما كانت تُعتَبر في شريعة العهد القديم؟ الجواب واضح وبسيط :
كما تجسّد المسيح يسوع في مغارةٍ حقيرة كانت ايضاً زريبةً للحيوانات ، إنّما غير النجسة ، لكي يرفع طبيعتنا التي تشوّهت بسبب الخطيئة والمعصية ، كذلك اليوم أيضاً ، يُرسِل الله إبنته مريم المختارة من بين النساء ( متى ١ : ٣٠ ) ، والبريئة من دنس الخطيئة الأصلية ، الطاهرة ، لكليّة القداسة، والدائمة البتولية، لتكون أمّاً له وللكنيسة والبشرية جمعاء ، ولكي تفهِمنا أوّلاً أنّ الله يأخذ دائماً زمام المبادرة لملاقاة أبنائه المساكين الذين خلقهم بمحبة وعلى صورته وأمثاله ، ويريد أيضاً إفتدائهم و تخليصهم بمحبّة وليس بالخوف والعنف .
إنّ حالة المغارة الحقيرة الوسخة في لورد ، والتي تحوّلت إلى مرتع للخنازير، تدلّ إلى حالة البشرية المُفتداة بدم الابن الوحيد على الصليب ، والتي بدل أن تكون قد وصلت بعد كل هذه السنوات ، من خلال رسالة الكنيسة ، لتُشبه صورة الابن الذي خُلِقَت على صورته ، وهو صورة الآب ، أبيه السماوي … هو الذي أشرق في قلوبنا ليشعَّ نور معرفة مجد الله ، ذلك المجد الذي على وجه المسيح ( قورنتس الثانية ٤ : ٤ – ٦ ) ، هو شعاع مجده وصورة جوهره (عبرانيين ١ : ٣) . ها هي في حالٍ أبشع وأوسخ من حال الخنازير التي تتمرّغ في وسخها . أي انّ الخطيئة بجميع أنواعها تغمرُ البشر اليوم حتّى رؤوسهم ، وهم غير آبهين لتعليم الكنيسة المؤتمنة على تعليم ووصايا مؤسِّسها وفاديها يسوع المسيح ، بل موجِّهين أنظارهم وعقولهم وقلوبهم نحو قاتل النفوس ومهلكها ” إبليس ” الشيطان الذي يريد تكبيلهم في الخطيئة المميتة على الدوام، لكي يأخذهم إلى مملكته ” جهنم ” ، وقد أنذرنا السيد المسيح في إنجيله ، حيث هناك النار ، والعذاب والصراخ . إنّ سبب مجيء السيدة العذراء النقيّة الطاهرة إلى مغارة قلوبنا الوسِخة الملئة بكل انواع الخطايا ، هو لتدعونا إلى التشبّه بها ، لأنّها ، ولكونها مخلوقةً بإمتيازٍ خاص من الله ، يجب أن تكون لنا المثال والقدوة لبلوغ القداسة والكمال ، كما يٌفهمنا الروح القدس الذي حلّ عليها وبُهِتَ بها قائلاً في الكتاب المقدّس : ” كلّكِ جميلةّ يا خليلتي، ولا عيب فيكِ “. ( نشيد الأناشيد ٤ : ٧ )
وقد قالت العذراء للقديسة برناديت سوبيرو، عندما طلبت منها هذه الأخيرة أن تكتب إسمها وماذا تريد منها ، قالت : ” ليس من الضروري أن يُكتب خطّياً ما أقوله لكم “. لقد أرادت العذراء أن يَصِل كلامها من القلب إلى القلب ، إلى قلب كل إنسان ، وبدون تمييز ، لأنّ القلب هو مركز الإنسان بحسب تعاليم الكتاب المقدّس ، وبالتالي ، علينا أن نفتح عقولنا وقلوبنا لسماع كلمة الله ، وليس أعيننا وحسب ، فنقرأها بوعي وانتباه لكي تدخل أعماق قلوبنا. ألم يَقُل القديس لوقا الإنحيليّ : ” وكانت مريم ، تسمع كل الكلام ، وتحفظه في قلبها وتتاّمّل به ” (لوقا ٢ : ١٩ ) ، اي تسمع كل ما يقال عن إبنها يسوع الإله الذي تجسد في أحشائها النقية الطاهرة .
في الظهور الثاني ، طلبت السيدة العذراء من برناديت قائلةً : ” أطلب منك طلباً واتمنى أن تحقيقه ، وهو : ” أن تأتي إلى هذه المغارة لمدّة خمسة عشر يوماً متتالياً ” . تعجبت برناديت لاسلوب العذراء مريم وللطريقة المهذّبة والحنونة التي خاطبتها بها ، ولم يسبق لأحدٍ أن خاطبها من قبل بهذا الاسلوب والكلام المملوء بالحبّ والحنان والاحترام .
لقد علّمتنا مريم العذراء ، بطريقة كلامها ، كم أنّ الإنسان رفيعٌ وذو قيمة ومحترمٌ عند الله ، الذي خلقه على صورته ومثاله . وقد أطاعت برناديت طلب الأمّ السماويّة . لماذا طلبت السيدة العذراء العدد ١٥ لظهوراتها ؟
بكل بساطة ، لأنّه يرمز إلى أسرار الورديّة الخمسة عشر ، وهي : الفرح والحزن والمجد . وكانت العذراء مريم تصلّي مع برناديت المسبحة الوردية. فعندما كانت تتلو الأبانا ، كانت العذراء مريم ترفع يديها لتصلّي معها الصلاة الربيّة التي علمنا إياها الرب يسوع : ” أبانا الذي في السموات ” . وعندما كانت برناديت تصلّي السلام الملائكي ، كانت العذراء تجمع يديها لتتقبّل التضرّع المُقدَّم لها ، والذي يُمكّنها من التشفّع للّذين يلجأون إليها بالصلاة بإيمان وثق .
إنّ صلاة الوردية المقدسة هي مُختصر حياة المسيح وتدبيره الخلاصيّ ، كما وهي تدعونا للتأمل في حياة أمّه مريم المتّحدة معه في الخلاص والفداء بإرادة الآب السماويّ . لقد اتت العذراء مريم لتذكّرنا أهميّة صلاة الوردية بكامل أسرارها ، والتي تجعلنا نتأمّل في كلّ بيت منها ما جاء في الإنجيل المقدس عن حياة وتعاليم ومعجزات السيد المسيح ، مع طلب نَيْل النِعَم المتوافقة مع كلّ سرّ من أسرارها الخمسة عشر .
( للعلم ، لقد أضاف قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني أسرار النور ) .
وفي أحد ظهورات العذراء مريم التي بلغت ١٨ ظهوراً ، طلبت أن يأتي الناس للإغتسال في النبع الذي أصبحت مياهه صافية عذبة بطريقةٍ عجائبيّة ، بعد أن كان وسخاً وعكراً بالوحل والأعشاب ، التي ترمز إلى خطايا الإنسان البعيد عن الله . لهذا قالت العذراء :
“اغتسلوا في النبع”، أي عودوا إلى حال النعمة ، أنقياء وأطهار .
ربما نتسأل : كيف يتمّ ذلك؟ الجواب واضح وصريح ، فقط في سرّ التوبة والمصالحة الذي أسّسه السيد المسيح ليلة خميس الأسرار ( خميس العهد) . وبهذا تنبّهنا هذه الأمّ الحنون ، الساهرة على سلامة وخلاص أبنائها ، إلى ضرورة الذهاب إلى كرسيّ الاعتراف ، لنوال سرّ الغفران ، بعد فحص الضمير و التوبة النابعة من القلب ، و الندامة الحقيقية على معاصينا وخطايانا التي لطّخت جمال نفسنا وشوّهته ، والإغتسال بالماء والدم الكريمَين اللذَين تدفّقا من جنب المسيح وهو على الصليب . الماء يرمز إلى الولادة الجديدة بسر العمودية . والدم يرمز إلى الذبيحة الإلهية .
أخيراً ، عندما أصرّت برناديت ومنذ بداية الظهورات ، وبطلب من كاهن الرعية أن تطلب من العذراء ما هو اسمها ؟ أجابت العذراء مريم : ” أنا الحَبَل بلا دَنس “. أي” أنا التي حُبِلَ بي بلا دنس ” أي بدون الخطيئة الأصلية.
بالفعل ، هذا الكلام الذي صرحت به العذراء مريم ، لاهوتيّ عميق ، له دلالةٌ لاهوتية ذو أهمية كبيرة ، صعب أن نفهمها بعقلنا البشري ، وأسرار الله لا تُكشف سوى للأطفال ، أي للمتواضعين و البسطاء، لأنقياء القلوب والدائمي العيش في الطفولة الروحية كما قال يسوع حينما رفع عينيه نحو السماء وقال : ” أشكرك يا ابت ، رب السموات والارض ، على أنك أخفيت هذه الأشياء على الحكماء والأذكياء ، وكشفتها للصغار ” ( متى ١١ : ٢٥ ) .
صلاة إلى العذراء مريم سيدة لورد
أيتها العذراء الفائقة الطاهرة و الفائقة القداسة ، لقد اخترتِ أن تظهري نفسك مشعّة كالشمس في الحياة، وكاملة الجمال ، في مغارة لورد. لقد أظهرتِ للطفلة القديسة برناديت أنك “ الحبل بلا دنس”.
والآن، أيتها البتول الطاهرة، يا أمّ الرحمة، يا شفاء المرضى، يا مُعزيّة الحزانى، أنتِ تعرفين احتياجاتي، مشاكلي، وآلامي، انظري إليّ بعين الرحمة. بظهورك في مغارة لورد ، التي أصبحتْ ملاذاً متميزاً توزعين منه النِعم .
الكثيرون قد نالوا الشفاء لعللهم وأمراضهم ، الجسدية والروحية ، لذلك، فأنا أيضاّ آتي إليكِ واثقاً في شفاعتك الوالدية. استمدي لي أيتها الأمّ المُحِبّة، هذا الطلب الخاص (اذكر الطلب).
يا سيدة لورد، يا أمّ المسيح، صلّي لأجلي. استمدي لي من ابنك الإله طلبي الخاص، إذا كانت هذه هي إرادة الله . آمين .
