لقد اعتَدنَا في كَلامِنَا عَن مَار مَارون أن نَستَنِد على بَعض المَراجِع التَّارِيخِيَّة التي عاصَرَت القِدّيس أو أرَّخَت لِحِقبَتِهِ، على سبيل المِثال لا الحَصر: تِيوضوريتُس القورُشِي وَالقِدّيس يوحَنَّا الذَّهَبِيّ الفَم الذي رَبَطَتهُ بِمَارون النَّاسِك عَلاقَة وِدّ وَصَداقَة. وَقَد فاضَت الأقلام بِمَقالات أصبَحنَا نَجِدُهَا اليَوم “تَقليديَّة”… وَلَكِنَّ الله الذي لا يَنضُبُ مَعِينُهُ، أظهَرَ في أيَّامِنَا هذه قَداسَة البَطريرك اسطفان الدّوَيهي، مَا دَفَعَ الكَثير مِنَ الباحِثِين إلى نَبشِ تاريخِهِ المَجيد المُشَرِّف وَكِتَاباتِهِ الوَافِرَة الواسِعَة المَعرِفَة، وَعِظاتِهِ الآسِرَة للقَلبِ وَالعَقل.
سَنَتَكَلَّم اليَوم عَن مار مارون كَمَا وَرَدَ على لِسان البَطريرك الدّوَيهي، الواعِظ وَالملفان الذي قَالَ لِكَنيسَتِهِ بِأنَّ مَارون هُوَ بُرج!… وَكَأنَّنَا بِقِراءَة هذه المَقالَة نَنالُ نِعمَةَ أن نَتَعَرَّفَ إلى قِدِّيسٍ عَن طَريقِ قِدّيس، فَنَهتِف لِكَنيسَتِنَا مُرَنّمِين: “بيعَةَ اللهِ سُرِّي، وَافرَحِي بالقِدّيسين!”.
يَنطَلِق الطُّوباويّ البَطريرك الدّوَيهي مِن المَبدَأ اللاهوتي الكِتَابي بِأنَّ الله هُوَ الذي يَنتَقِي المُختَارين وَمِن بَينِ الذينَ انْتَقَاهُم: مارون. فَيَستَهِلّ الدّوَيهي عِظَتَهُ بِالعِبارَة التَّالِيَة: “حبة الحنطة إذ لم تمت، يقول الربّ، إنَّها تثبت وحدها، وإن ماتت، أتت بثمار كثيرة” (يوحنا12: 24). ونفس الإنسان، إذ كانت هي من ذاتها شامخة ومتعظّمة، وإذ لم تمت هواها في الاتّضاع والطاعة والصوم والصلاة والصيانة، تثبت وحدها كالحبّة العريانة، وإن ماتت، فصارت كالعود المغروس على مجاري مياه النعمة، فتعطي ثمرها في حينه (مزمور3: 1).” لِذلِكَ فَإنَّ مَارون هُوَ حَبَّة الحِنطَة التي مَاتَت فَتَبَتَت وَأتَت بالثِّمارِ الوافِرَة. لِهذا السَّبَب يَتَكَلَّم الدُّوَيهي عَن اختِيَار الله لمارون: ” كان الله ناظرًا ، في سبق علمه، أنّ الأب الطاهر، والكوكب المنير الزّاهر، مار مارون، سيكون موضعًا لدعوته. وإنّه يردّ الشعوب إلى الطاعة، وأنّه يُقيم حياة النسك في بلاد الشام، وأنه يصون البيعة في رهبانه، فسبق ووسمه قبل أن يأتي إلى العالم. من بعيد دعاه من الأحشاء، وبطن أمِّه ذكر اسمه. وكما الذين دعاهم، إيّاهم برّر، كذلك جعل فمه كالسّيف الحادّ، وتحت سترة يده، أخفاه. جعله مثل سهام مختارة، وفي جعبته ستره، وقال له: “عبدي أنت يا مارون، وبك أتمجَّد”.
مارون المُختَار نَشَأ على التَّقوَى وَالعِلم في عائلته، وَكَانَت “شبوبِيَّتَهُ” (هكذا وَصَفَ الدُّوَيهي صِباه) تُحارَب مِن قِبَلِ ثَلاثَة رِجال:
1- الجَسَد: جَعَلَ الدّوَيهي الجَسَدَ يَتَكَلَّم مَعَ مَارون في عِظَتِهِ فَقَال: “”أعطني يدك، يا صديقي، وكن لي رفيقًا، لأن في هذا الطريق مآكل مفتخرة، وكروم عامرة، وثياب ثمينة، وشهوات ولذّات لم تُعطى إلّا للّذي يرافقني. وإن كنت تريد أن تمضي في ذلك الطريق الضيّق، أقول لك الحقيقة: إنَّ ما فيه إلّا جوع وعطش وعُري وزمهرير، وعدم الشبوبيّ”.
2- العالَم: يَصِف الدُّوَيهي خِدَاع العالَم بِطَريقَة ذَكِيَّة، إذ يُظهِرُهُ يَتَمَلَّق مَارون… تَقَدَّمَ العالَم حامِلا باقة ورود لِتَكريم مارون فَوَصَفَ الدّوَيهي تَجرِبَتَهُ كالتّالي: ” كان يتقدّم إليه الشاب الثاني، وفي يده باقة زهر، ويقول له: “إن كنت تشتهي الغنى والمال، والرضى أن يكون لك أولاد، أن ترث بساتين وقرى، أن تُقيم زرعًا لبيت أبيك، أن تأخذ أموالاً، وترتفع بدرجات رفيعة. كن رفيقًا لنا، أقول لك الحقيقة: إن آخر ذاك الطريق الضيّق ليس فيه إلّا حزن وعناء، ليس فيه إلّا قلّة وضيقة، ليس فيه إلّا كدّ وتعب. وكما ترى إنَّه ضَيِّقًا، كذلك لا يمكن أن يدخله إلا من كان كالطفل”.
3- الشّيطان: يَقول الدّوَيهي: ” ثم تقدّم إليه الشاب الثالث الذي هو الشيطان، وقال له: “إنّ هذه المملكة كلّها قد أُعطيت لي، فإن تبعتني، أعطيتك مهما اشتهيت من عز وكرامات، من أولاد ورئاسات. وإن ما أردت أن ترافقنا، فأنا أُقيم عليك كل العالم: أفتح طريق أبواب جهنم، أُشعل فيك نيران الشهوات، أُقلق نومك في الأحلام والخيالات، وأركّب كل العناصر ضِدَّك. لتُحرقك الشمس في إشعاعها، تعرِّضك للبرد الشديد الغيوم في أمطارها، لتقلقك الأرض في وحوشها، ولا تُريحك الأهْوِيَة في سمومها”.
دُرُوبٌ وَاسِعَةٌ فَتَحَهَا الرِّجال الثَّلاثَة أمامَ مَارون، وَلَكِنَّ القِدِّيس المُختَار مِنَ الله نَظَرَ إلى الدَّرب الضَّيِّق وَلَم يَنظُر إلى مَتَاهات الجَسَد (العَدُوّ اللَّصيق)، وَلا إلى مَتَاهات العالَم (العَدُوّ المُحِيط)، وَلا إلى أكَاذيب الشَّيطَان (العَدُوّ الأكبَر وَقائِد العَدُوَّين الأَوَّلَين). لَم يَكتَرِث مارون لِضِيق الدَّرب، فَيَقول الدُّوَيهي: “فَهَذا (أي مارون) ولَو كان حافِيًا عُريَانًا، كانَ كُلُّهُ أنوَار. ولَو أنّ باب دربه كَانَ ضَيِّقًا، نَظَرَ فيمَا بَعد أنَّهُ كَانَ وَسيعًا مَلآنَ فَرَح وَسُرور. فَلَمَّا تَأمَّلَ هؤلاء الثّلاثَة (الجَسَد، العالَم، الشَّيطَان)، خَلَعَ عَنهُ ثِيابَ العالَم، تَفَلَ في وَجهِ الشَّيطَان، وَتَزَنَّرَ على جَسَدِهِ في المِسْح، وَسَلَّمَ يَمينَهُ وَقَلْبَهُ في يَدِ ذلِكَ الطِّفل قائلا مَعَ الحَكيم (أي سُلَيمَان المَلِك): إنَّ اسمَ الرَّب هُوَ لي بُرجٌ حَصين، وَإلَيْهِ يَسيرُ البارُّ وَالقَوِيّ (أمثال18: 10).
لِنَتَأمَّل في ما قالَهُ الطُّوبَاوِي البَطريرك اسطفان الدّوَيهي:
لَقَد حارَبَ مَارون ثلاثَة عَمَالِقَة كِبَر: الجَسَد، العالَم، وَالشَّيطان. بِقَلبِ الطِّفل هَزَمَ الأعداء الثَّلاثَة شَرَّ هَزيمَة. وَنحن “أبناء مارون”، لسنا بعيدين عَن هذه الأعداء… فكَيفَ نَعمَل على الإنتِصارِ عَلَيها وَنحنُ نَحمِل إسم أحد غالِبِيها؟
– فَكَمَا تَزَنَّرَ مارون بالمِسح فَغَلَبَ جَسَدَهُ، نحنُ مَدعوّون لِنَلبَسَ مِسحَ العَفاف، وَنَتَوَشَّح بِإزارِ الخِدمَة وَالتَّواضُع.
– وَكَمَا خَلَعَ مَارون عَنهُ ثِيابَ العالَم، وَلَبِسَ ثِياب الرّهبَنَة الفقيرَة، عَلَينَا نحنُ –أبناء مارون- أن نَتَخلَّى عَن الكَثير مِن بَهرَجَة الحَياة وَنَغلب العالَم بِالقناعَة وَبَساطَة العَيش الكَريم.
– وَكَمَا تَفَلَ مارون في وَجهِ الشَّيطان رافِضًا ألاعيبه، كَم نحن اليَوم نَحتَاج لِتَبَنِّي هذا المَوقِف فَنَتفل في وَجهِ شَيطَانِ الإنقِسام والكَراهِيَة وَالتَّشَرذُم وَاليَأس والمُمَاحَكات…
مارون هو بُرج… ننظر إليه -لو مهما ابتعدنا- فنهتدي به لنعود إلى طريقِ صوابِنا..
