مشاركة الكرسي الرسولي في الاجتماع الثالث للدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية

خطر الأسلحة النووية وتبعاتها على الإنسان والبيئة ومسؤولية الجماعة الدولية عن ضمان ألا تتكرر أهوال الماضي وعن حماية أجيال المستقبل. هذا ما تمحورت حوله مداخلة مراقب الكرسي الرسولي الدائم لدى الأمم المتحدة رئيس الأساقفة غابرييلي كاتشا الثلاثاء ٤ آذار مارس في الاجتماع الثالث للدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية.
بدأت في مقر الأمم المتحدة في نيويورك الاثنين ٣ آذار مارس وتستمر حتى ٧ من الشهر أعمال الاجتماع الثالث للدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية. وقد شارك مراقب الكرسي الرسولي الدائم لدى الأمم المتحدة رئيس الأساقفة غابرييلي كاتشا أمس الثلاثاء بمداخلة شدد في بدايتها على أنه وبينما يمر اليوم ٨٠ سنة على إجراء أول تجربة نووية في نيو مكسيكو ليَلي ذلك استخدام القنابل الذرية في هيروشيما وناغازاكي، فمن الضروري الاعتراف بالمعاناة التي لا تقارَن الناتجة عن أسلحة الدمار الشامل هذه. كما وتحدث عن أن التبعات السلبية لهذه الأحداث تتواصل أصداؤها عبر الأجيال تاركة أثرا لا يُمحى لدى الناجين، وذلك لأن نتائج هذه الأسلحة لا تقتصر على ما تسببه من موت بل تشمل أيضا وطوال الحياة الجوانب النفسية والثقافية والبيئية. وتحدث رئيس الأساقفة بالتالي عما وصفها بالمسؤولية الجماعية الملقاة على عاتق الجماعة الدولية من أجل ضمان ألا تتكرر أهوال الماضي هذه وكي تكون أجيال المستقبل محمية من التبعات الكارثية لحرب نووية.
وواصل المراقب الدائم أنه من المثير للقلق ما يشهد العالم من تصاعد للنزاعات والانقسام، وأضاف أن الانقسامات والتوترات الجيوسياسية في المشهد الدولي قد قادت إلى انتعاش لغة تقوم على منطق الردع ما يشعل مجددا خطر التهديدات النووية. وتوقف رئيس الأساقفة كاتشا في حديثه عند أجواء عدم ثقة وخوف متزايدة في العلاقات الدولية ما يهدد نزع السلاح، وذلك في وقت تزداد فيه بشكل كبير النفقات العسكرية حيث تخصص دول كثيرة موارد كبيرة للتسلح، موارد كان يمكن بالأحرى استخدامها لمواجهة التحديات العالمية الملحة ومن بينها الفقر والجوع. ويعني تغيير الأولويات هذا، حسبما واصل رئيس الأساقفة، تقليص الاهتمام بالاحتياجات الأساسية من أجل التنمية البشرية المتكاملة والسلام.
هذا وعاد مراقب الكرسي الرسولي إل كلمات البابا فرنسيس في مجلس الأمن في ١٤ حزيران يونيو ٢٠٢٣ حين قال إنه ولجعل السلام واقعا علينا الابتعاد عن منطق منح الحرب شرعية، وذكَّر بأن هذا كان ينطبق على حروب الماضي المحدودة، فما بالنا بأيامنا هذه حيث هناك الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشمال التي بإمكانها أن تجعل ميادين القتال بلا حدود وأن تقود إلى تبعات كارثية. وشدد الأب الأقدس في كلمته على أنه قد حانت لحظة أن نقول “لا” قاطعة للحرب وأن نؤكد أن الحرب ليست عادلة، فالسلام وحده هو العادل، السلام الدائم الذي لا يقوم على توازنات الردع الهشة بل على الأخوّة فيما بيننا.
وتابع رئيس الأساقفة كاتشا مشيرا إلى أن معاهدة حظر الأسلحة النووية تشكل اليوم، وأمام التحديات الكثيرة والتوجهات الحالية على الصعيد الدولي، فنار رجاء وتقدم. وأضاف أنه من الضروري تسليط الضوء على أن هذه المعاهدة هي في تداخل وتعزيز متبادل مع اتفاقيات نزع السلاح القائمة، وعلى هذه الأدوات ان تعمل في تنسيق من أجل تأسيس بيئة عالمية أكثر أمنا. وأعرب رئيس الأساقفة في هذا السياق عن ترحيب الكرسي الرسولي بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في هذا الاجتماع. وأراد المراقب الدائم من جهة أخرى أن يؤكد أهمية معاهدة حظر الأسلحة النووية باعتبارها الأداة الدولية الأولى التي تعترف بشكل واضح بالتبعات الإنسانية والبيئية الكبيرة للأسلحة النووية، وأشاد بالتطورات العلمية الساعية إلى فهم أكثر عمقا لتبعات الأسلحة النووية على صحة الإنسان والبيئة وأجيال المستقبل، وأكد ترحيب الكرسي الرسولي بتبني القرار الخاص بتبعات الأسلحة النووية والبحث العلمي كخطوة إلى الأمام في تعزيز البحث العلمي من أجل وعي أكبر بالتبعات المدمرة لحرب نووية.
وفي ختام كلمته ذكَّر رئيس الأساقفة غابرييلي كاتشا بكلمات البابا فرنسيس في رسالته لمناسبة اليوم العالمي للسلام ٢٠٢٠ حين كتب أن الناجين من القصف الذري على هيروشيما وناغازاكي هم من بين الذين يحافظون اليوم على شعلة الوعي الجماعي ويشهدون للأجيال الصاعدة عن رعب ما حدث في آب أغسطس 1945 والمعاناة التي تلته حتى اليوم والتي لا توصف. إن شهاداتهم توقظ وتحفظ بهذه الطريقة ذكرى الضحايا حتى يتقوّى الضمير الإنساني باستمرار إزاء كل رغبة في الهيمنة والدمار: “لا يمكننا أن نسمح للأجيال الحالية والآتية بأن تفقد ذكرى ما حدث، وهذه الذاكرة هي التي تضمن وتحفّز على بناء مستقبل أكثر عدلا وأخوة”.