دعا رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك إلى حماية الحريات الفردية في بلدٍ لا يزال يعاني من العنف والانتقام بعد مرور ثلاثة أشهر على سقوط نظام الأسد، مؤكدًا: “نحن بحاجة إلى تذوق ثمار الديمقراطية. من غير المقبول أن يُحكم بلدٌ ما بسلطة فرد واحد، بل لا بد من الفصل بين السلطات واحترام تنوع البلاد”.
بعد أكثر من ثلاثة أشهر على سقوط النظام السوري تحت وطأة الهجوم الذي قادته قوات “هيئة تحرير الشام”، لا تزال سوريا تشهد موجة من “أعمال العنف والانتقام”، “لا سيما في المناطق العلوية”، بحسب ما أكده المونسنيور يعقوب جاك مراد، رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك، في مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية. وينظر المطران بحزن إلى المجازر التي وقعت في الأسابيع الأخيرة في غرب سوريا، حيث أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأنه تم قتل أكثر من ١٦٠٠ مدني، معظمهم من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع بشار الأسد، خلال الأيام الأولى من شهر مارس. وأعرب المطران مراد عن ألمه قائلاً: “انطباعي هو أن كل شيء كان معدًا ومخططًا له مسبقًا”.
في جوابه على السؤال حول المخاوف إزاء مشروع الدستور المؤقت لسوريا، الذي لا تزال فيه الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والقضاء قال المطران مراد أعتقد أن غالبية الشعب السوري لا تؤيد هذا الدستور الجديد، لأنه لا يرتقي إلى مستوى تطلعات الناس. بعد سنوات طويلة من المعاناة والحرب، عن أي حرية وأي ديمقراطية نتحدث؟ هناك كلمات أساسية لبلد يحلم بعد حوالي ٥٠ عام من الإغلاق والانغلاق. لا المسلمون، ولا المسيحيون، ولا العلويون، ولا الإسماعيليون، ولا الأكراد، ولا الدروز، يوافقون على هذا الدستور.
تابع المطران مراد مجيبًا على السؤال حول ما الذي يريده الشعب السوري من الدستور وقال أولاً وقبل كل شيء، أن تعيش سوريا تحت حكم يحترم حقوق الإنسان. فالحرية الفردية هي قاعدة مقدسة، ويجب إنهاء المجازر وكل ما يؤدي إلى موت الأبرياء، بما في ذلك إلغاء عقوبة الإعدام. نحن بحاجة إلى تذوق ثمار الديمقراطية، لكن هذا ليس موجودًا في الدستور الحالي. من غير المقبول أن يعيش بلد مثل سوريا تحت سلطة فرد واحد، حتى لو كان هناك برلمان ووزراء وحكومة، لأن كل شيء يبقى تحت سيطرة الرئيس. يجب أن يكون هناك فصل واضح بين السلطات: برلمان مستقل، حكومة مستقلة، جيش مستقل، وقضاء مستقل. هذا هو الطريق الصحيح لدولة مثل سوريا، التي تزخر بجمال تنوعها وتعدد جماعاتها، لتعيش في احترام متبادل بين جميع مكوناتها.
أضاف المطران مراد مجيبًا على السؤال حول ما يمكن أن يفعله المجتمع الدولي وقال بعد سنوات من الحرب، تعاني سوريا من دمار اقتصادي واجتماعي هائل، وعلى الرغم من عقد العديد من المؤتمرات الدولية لمساعدة البلاد، لا تزال المساعدات الموعودة بعيدة عن الواقع. لقد سمعنا عن قرارات بتخصيص ملايين الدولارات لمساعدة الشعب السوري، لكن كيف يعقل أن تستمر العائلات في العيش في الجوع والفقر؟
تابع المطران مراد مجيبًا على السؤال حول ما إذا كانت المساعدات لا تصل مباشرة إلى الشعب وقال هذا صحيح. في الماضي، قيل إن نظام الأسد كان يسرق ما كان مخصصًا للشعب. واليوم، علينا أن نرى ما إذا كانت الأموال التي وُعدت بها سوريا، مثل تلك القادمة من أوروبا، ستصل بالفعل إلى السكان في ظل هذا الحكم الجديد. لكن الواقع هو أن الكنيسة هي المرجع الوحيد لكل الشعب السوري، بما في ذلك المسلمين والجماعات الأخرى. كل يوم، نستقبل أعدادًا كبيرة من المحتاجين الذين نساعدهم بالغذاء، والدواء، والاحتياجات الأساسية الأخرى. نأمل أن يتغير هذا الواقع، لأننا عانينا خلال سنوات الحرب والفقر الطويلة. إن الشعب السوري لم يكن يومًا شعبًا متسولًا، فهو لا يطلب ولا يتسول: الجميع يعملون ويحبون العمل. إنَّ كرامتنا هي أمر في غاية الأهمية. لكننا نتساءل: كيف يمكن أن يكون لدينا النفط، ومع ذلك نفتقر إلى وسائل التدفئة؟ لماذا لا يوجد لدينا وقود للسيارات؟ لماذا نعاني من انقطاع الكهرباء المستمر؟ في بعض الأيام، لا نحصل على الكهرباء إلا ساعتين أو أربع ساعات كحد أقصى. هذه ليست حياة طبيعية. لهذا، يجب أن يتم تنظيم المساعدات الدولية بطريقة واضحة ومدروسة، مع التركيز على الاحتياجات الأساسية مثل المستشفيات والمدارس، وكذلك تأهيل من يدير وينظم المجتمع.
أضاف المطران مراد مجيبًا على السؤال حول ما إن كان رفع العقوبات الدولية قد يمنح الشعب السوري بعض الراحة وقال بدون رفع العقوبات، لن نتمكن من التقدم ولو خطوة واحدة. من الضروري والأساسي أن يتأمل المجتمع الدولي في هذه المسألة ويسأل نفسه: لماذا فرضنا هذه العقوبات؟ ولماذا ما زلنا نتمسك بها اليوم؟ لن نصل أبدًا إلى سلام شرعي وعادل ما لم نتحلَّ بالشجاعة لطرح الأسئلة، وإجراء الحوار، وتحديد خطوات واضحة لتحقيق نتيجة حقيقية.
وخلص رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك حديثه مجيبًا على السؤال حول ما إن كان هناك فرصة لتوحيد المسيحيين السوريين وإنشاء منصة مشتركة لمستقبل البلاد وقال بالفعل، هناك انقسامات عميقة، لكن الرب لم يُرد يومًا كنيسةً منقسمة، بل صلّى من أجل وحدتها. لقد شهدنا معاناة الهجرة، التي تهدد بتفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين، كما حدث في فلسطين، والأراضي المقدسة، والعراق، وتركيا، وسوريا. لكن الشعب بأسره يريد وحدة الكنيسة، ولا يمكننا أن نتجاهل صوته، لأن مجتمعنا هنا مختلطٌ حقًا: فالكاثوليكي قد يكون متزوجًا من أرثوذكسية، أو العكس، ونحن نعيش معًا ونتقاسم الحياة معًا.
المطران مراد: لتسُد *القاعدة المقدسة* لحقوق الإنسان في سوريا
